• ×

03:05 مساءً , الثلاثاء 14 ذو الحجة 1441 / 4 أغسطس 2020

محمد الخالدي

قليل من القصائد وكثير من العلم

محمد الخالدي

 0  0  948
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بقلم: محمد الخالدي
«يصورونك طاغية جبارا، وأنا أبحث فيك عن أب رحيم، لقد قررت أن أتخلى عن المسيحية لكي أحبك أكثر».

هذه العبارة من خطاب وجهه الفيلسوف الفرنسي العظيم فولتير إلى الله.
****

ما أكثر القتل والتعذيب والتهجير اليوم، معظمه يتم باسم الله عز وجل ومن أجله.. هل الله يريد هذا فعلا؟ أي انحراف هذا وأي ضلال؟!

فولتير لم يكن ملحدا أو كافرا بوجود الله عز وجل، لكنه كفر بالإله الذي كانت تصوره الكنيسة في العصور الوسطى للناس، بأنه إله عنيف يبطش ويسحق ويعذب ويدعو أتباعه للقتل والتنكيل بالآخرين المخالفين لهم بالعقيدة.

وقد حذر كثيرا من أن مثل هذا الإله لن يجد له أتباع في نهاية الأمر لأن البشر بطبيعتهم يحبون السلام والخير والتعايش السلمي فيما بينهم.

وقد كرس فولتير معظم نشاطه الفكري في تعرية التفسيرات الخاطئة والمتطرفة للكتب المقدسة (العهدين القديم والجديد)، وكشف طرق وأساليب «رجال الدين» ممن يستغلون تلك التفسيرات للسيطرة على الناس البسطاء واستغلالهم باسم الدين.

ومن يقرأ تاريخ أوروبا يعرف جيدا كيف تخلى الناس هناك عن الكنيسة وعن الله الذي تقدمه لهم تلك الكنائس.

****

بوضوح، المشكلة ليست في الدين بالتأكيد، وإنما في الأفكار والتفسيرات المتطرفة عن الله وعن العالم وعن الآخر الذي يؤمن بأفكار ومعتقدات مختلفة.

المشكلة الحقيقية تكمن في القراءة البشرية الخاطئة التي تدعي بكل بجاحة معرفة قصد الله وهدفه الحقيقي من هذا النص أو ذاك.

بقراءة متطرفة لنص ديني يزجون بآلاف السذج والمساكين إلى «حروب مقدسة»، ويقسمون لهم بأغلظ الأيمان أن الله يريد هذا!

****

لقد نادى فولتير في القرن السادس عشر بضرورة إيجاد تفسيرات جديدة للنصوص المقدسة تتماشى فعلا مع حقيقة الإنسان الخيرة والمحبة للسلام.

وكانت رسالته الواضحة أن يكون «الدين الجديد» دين محبة وأخلاق، فيه القليل من العقائد، والكثير من الأخلاق.

وقد أثبت الواقع لاحقا صدق دعوة فولتير.

عالمنا اليوم يطحن البشر مثل آلة فرم كبيرة، والسبب الأكبر خلف هذا العبث والجنون هو الانغماس غير المبرر في نقاشات عقيمة حول بعض العقائد، لا أقول ان العقائد باطلة أو دراستها سيئة.. كلا، أقول إن كثيرا من النقاشات العقدية التي يعرضها بعض الطائفيين المتطرفين على الناس على مدار الساعة وبطريقة تتسبب في قتل البشر هي السيئة.

لسنا بحاجة لكل هذه النقاشات، والناس مؤمنون بلا لاهوت ولا علم كلام ولا فلسفة دينية، فهذا كله ليس من لوازم الدين، وكلكم يعرف حديث الاعرابي الذي سأل النبي محمد صلى الله عليه وسلم «يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم» (رواه مسلم).

****

نحن بحاجة إلى اصلاح جاد في النظم التعليمية والتربوية، في المدارس والجامعات والمنابر، اصلاح حقيقي يحث الناس على العمل وحسن الخلق وترك البشر يختارون ما يشعرون بأنه الحق من العقائد وليس اجبارهم عليها.

ونحن بحاجة إلى الكثير من العلم الطبيعي والقليل من الشعر والروايات السخيفة التي أفسدت الذوق العام.

يكفينا هذا الكم البائس من الشعر المبتذل والكاذب والأدب السخيف الذي جعل الكثيرين يمارسون النفاق والتملق بكل وضاعة دون أن يشعروا بالخجل.

تجد أحدنا يسرد من القصائد بالآلاف وهو لا يعرف أبسط القوانين العلمية وأسس التفكير السليم والحد الأدنى من المعرفة حول أهم النظريات العلمية التي تسببت في تغيير حياتنا وتؤثر فينا كل يوم.

bodalal@me.com

التعليقات ( 0 )