• ×

11:13 مساءً , الإثنين 12 ربيع الأول 1443 / 18 أكتوبر 2021

الكاتب : عبداللطيف الضويحي

الإسكان في زمن الكورونا

الكاتب : عبداللطيف الضويحي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
«الحب في زمن الكوليرا» للروائي العالمي غابرييل ماركيز تحكي قصة حب شاب وامرأة منذ سن المراهقة حتى سن السبعين.. تدور أحداث الرواية مع رصد لما يجري في منطقة الكاريبي والعالم نهاية القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين. فقد تعاهد العامل الشاب الفقير والتلميذة البالغة الجمال على الزواج مدى الحياة في قصة حب عاصفة، لكن التلميذة الجميلة تزوجت من طبيب مشهور، عندها استمات العامل الفقير لأكثر من خمسين عاما ليصنع له اسماً وثروةً فيكون جديرا بمن أحبها، فتستمر محاولاته لكسب عقلها بدلا من قلبها عندئذ تبدأ تتقبله تدريجيا، حيث دعاها لرحلة نهرية في سفينة وفي السفينة بدأ يتقرب منها فهو لا يزال يحبها رغم ذبول ملامحها فأدركت هي عندئذ أنها تحبه كذلك، حينئذ أراد أن تطول الرحلة وأن يتخلص من المسافرين فأشاع بينهم أن على السفينة الكوليرا، لكن الرواية تنتهي برفع علم الوباء الأصفر على السفينة.
يبدو أن الإدارة في كثير من القضايا هي جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل. فكثير من التعاملات الإدارية تثير كثيرا من علامات الاستفهام حول تجنبها للحلول والاستمرار في الجدل حوله مثلما هي الأحداث في رواية الحب في زمن الكوليرا، وهو العنوان الذي قاربته لعنوان هذا المقال.
لقد أشبعت أزمة الإسكان نقاشا وجدلا وسيقت كل الأسباب المباشرة التي نتجت عنها أزمة الإسكان وأدت إليها، ومع ذلك بقيت أزمة الإسكان تراوح مكانها وربما أنها وصلت إلى طريق مسدود.
أظن أن هذه الأزمة ستستمر وقد تطول لأن هناك من يرغب بإطالتها وتمطيطها حتى تكون فريسة سهلة للقطاع الخاص. إن أزمة الإسكان ما هي إلا رأس الجبل الجليدي لمشكلات أكبر وأعمق من أزمة الإسكان.
إن الأزمة الحقيقية للإسكان هي الالتباس الشديد في العلاقة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص، والتي وصل إليها القطاعان برغبتهما وتدبيرهما، ففي السنوات الأخيرة تمكن القطاع الخاص من تجاوز الحدود المتعارف عليها بين القطاعين بأساليب بعضها معلن وبعضها غير ذلك، أصبحت مصالح القطاع الخاص حاضرة ومقدمة على حل مشكلات المجتمع.
القطاع الخاص أذكى وأسرع في ابتكار مسوغات ومبررات وجوده في أداء الوظيفة الحكومية وأصبح يتفنن في صناعة واختلاق المشكلات التي تبرر وتسوغ استدعاءه والاستنجاد به، وفي حالات كثيرة يعمل على استدامة الأزمات ليستمد منها نمو وتنامي مصالحه، ولنا في الحروب التي تدور في بعض الدول والمناطق الدروس التي يقدمها القطاع الخاص في الدول المتقدمة على استدامة تلك الحروب.
والقطاع الخاص ليس بحاجة لأن يتحدث بنفسه عن مصالحه فهناك من يمثل مصالحه في كل لجنة حكومية وله التأثير الأقوى بكل قرار. وإن خلايا القطاع الخاص النائمة والمستيقظة في كل قطاع حكومي ومع كل مشروع في كل وزارة وفي تفاصيل كل مرحلة.
لا أجد سببا واحدا مقنعا يدعوني للاعتقاد بحرص القطاع الخاص على حل أزمة الإسكان خاصة الشركات العقارية والبنوك التجارية، في الحقيقة أن سجل البنوك لا يؤهلها لتحمل مسؤولية اجتماعية مثل ملف الإسكان، فلا أظن أن هناك ما يمنع البنوك من الاستثمار بمعاناة المحتاجين للسكن من الشرائح المختلفة. وزارة الإسكان لديها الميزانية ولديها الأراضي ولديها الصلاحيات، وليست بحاجة للتشاور مع القطاع الخاص وليست بحاجة للتمويل من البنوك التجارية، فمتى كان للبنوك التجارية في المملكة دور بتحمل المسؤولية الاجتماعية ؟
لست ضد القطاع الخاص ولست ضد الخصخصة، وأعرف أن القطاع الحكومي بحاجة للقطاع الخاص في تنفيذ الكثير من مشاريعه، فالحكومي عاجز وضعيف في كثير من الحالات عن القيام بمهامه الروتينية، فضلا عن قيامه بمهام استثنائية والأزمات على غرار أزمة الإسكان. لكن هناك حاجة لمراجعة العلاقة بين القطاعين تشريعيا وتنظيميا ورقابيا.
إن حل أزمة الإسكان هو في يد نزاهة وهيئة الرقابة والتحقيق، فيجب إعادة رسم الخطوط بوضوح بين القطاع العام والقطاع الخاص، ويجب أن نعرف أن هناك فرقا بينهما، مهما بدا حماس البعض للزج بالقطاع الخاص وتوسيع دوره في التنمية.
من يريد الاستعانة بالقطاع الخاص يكون ذلك على قاعدة المجتمع وليس على قاعدة السوق، يجب وضع حد للخلط بين مفهوم المجتمع ومفهوم السوق، قضية الإسكان يجب مناقشتها بصفتها قضية مجتمع وليست قضية سوق. وزارة الإسكان يجب أن تعرف أن دورها في هذه القضية هو حل مشكلة المواطنين للإسكان وليس من مسؤوليتها حل مشكلة ملاك الأراضي أو ملاك العقارات أو البنوك.
وزارة الإسكان أمامها الآن كل التصورات لحل مشكلة الإسكان، ولديها الميزانية ولديها الأراضي لتبدأ بالعمل ولديها الصلاحيات وعليها أن تتحرر من مصالح القطاع الخاص ومحاولاته بتحويل قضية الإسكان إلى قضية سوق بدلا من أنها قضية مجتمع.
من الضروري وقف تذويب وظيفة القطاع الحكومي ومسؤولياته وإعادة النظر بتسارع إسناد وظيفة القطاع العام إلى القطاع الخاص، ولنا في البريد السعودي وشركة سمة للمعلومات الائتمانية خير مثال فالاثنان يصولان ويجولان بقبعة الحكومة وبعصا القطاع الخاص والبنوك وبطريقة فيها الكثير من الاستغباء للمجتمع والاستهتار بالأنظمة والتشريعات، فالاثنان يفرضان الرسوم التي تروق لهما ويبيعان منتجات هي في الأساس غير قابل للبيع (خدمات سمة) أو خدمات محددة رسومها (خدمات البريد).
أريد أن أقدم شكري العميق لمنتدى الأمير عبدالرحمن السديري للدراسات والقائمين عليه، حيث اكتسب مؤخرا هذا المنتدى مكانة مرموقة في طرح ودراسة العديد من القضايا السعودية الحيوية، حيث كرس لقاءه الأخير لأزمة الإسكان فكان اللقاء في ربوع مدينة الغاط الجميلة.

التعليقات ( 0 )