• ×

02:11 مساءً , الثلاثاء 14 ذو الحجة 1441 / 4 أغسطس 2020

محمد الخالدي

بيكسل قلم محمد الخالدي

محمد الخالدي

 0  0  680
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في أحد شوارع لندن، تجمع عشرات الشباب ممسكين بهواتفهم «الذكية» وهم يصورون فتاة أفريقية يبدو أنها مصابة بأحد الأمراض العقلية، حيث كانت تقوم بحركات لا يفعلها أي شخص سوي في مكان عام بالتأكيد.

كانوا فرحين جدا، يضحكون على هذا «المنظر المضحك» بالنسبة لهم، فرحين بتصويرها ونشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي مع تعليقاتهم الساخرة، دون أي شعور إنساني أو أخلاقي، فكل ما كان يشغلهم في ذلك الموقف المحزن هو زاوية التصوير وجودة الصور وحجمها والتأثيرات الفنية المتنوعة التي تتيحها لهم أجهزتهم الذكية والإثارة المزيفة التي ستوفرها لهم مواقع التواصل الاجتماعي حين ينشرونها.. فأي خواء هذا وأي انحطاط؟!
***

في ثلاثينيات القرن العشرين أحدث فيلم «الأزمنة الحديثة» للمبدع العالمي شارلي شابلن هزة في الأوساط الفكرية لاتزال آثارها حاضرة إلى اليوم.

الفيلم يناقش تغول الآلات الحديثة والتقدم التكنولوجي على حياة البشر، ويسخر من التحول الجديد في الرأسمالية الجشعة مع دخول «خط الانتاج» في المصانع، فكان شابلن ورفاقه العمال يعملون على خط الانتاج 16 ساعة يوميا بلا رحمة، حتى تحولت حركته ومشيته ومصافحته للآخرين وطريقة تناوله لطعامه بطريقة تشبه حركة الآلات.

ولا تزال أدبيات نقد الرأسمالية الجشعة وفلسفات الاغتراب تورد هذا الفيلم كنموذج لهيمنة الآلة والجشع على حياتنا وإفسادهما طبيعة البشر.

كان هذا في مطلع القرن العشرين، فما بالكم بحالنا اليوم مع تغول الآلات والأجهزة الإلكترونية الحديثة؟!

***

يرى كثير من علماء الاجتماع المعاصرين أن السمة البارزة التي تميز عصرنا اليوم قد تجاوزت «ثورة المعلومات» التي طبعت القرن العشرين بامتياز إلى «ثورة الأجهزة الذكية»، حيث أصبح كل شيء تقريبا يتم وفقا لهذا المنظور، حكومة ذكية، نظام ذكي، هاتف ذكي، كاميرا ذكية.. كل شيء ذكي، ربما باستثناء الإنسان.

***

في عام 1624 نشر الأديب والشاعر الانجليزي الفذ جون دوّن كتابه «تأملات»، وفي التأمل السابع عشر نجد قصيدة فائقة الروعة والعمق عنوانها «لمن تقرع الأجراس» (والتي اقتبسها الأديب الأميركي ارنست همنجواي ووضعها عنوانا لإحدى رواياته)، يقول جون دون: لسنا جزر مستقلة بذاتها، كلنا جزء من القارة، جزء من كل.

فإن جرف البحر حفنة من التراب نقصت أوروبا، وكذلك إن كان نتوء أو قصر صديقك أو قصرك، موت أي كائن ينتقص مني، فأنا معني بالبشرية، ولذا لا تراسلني أبدا لتسألني لمن تقرع الأجراس؟ إنها تقرع من أجلك.

وأجراس اليوم تقرع من أجلنا، فهذه الأجهزة الذكية وعمليات الميكنة التي كبلتنا بأغلالها وقتلت فينا كل تواصل إنساني «حقيقي» ومباشر، وقتلت فينا الرحمة والمشاعر العفوية الصادقة والأخلاقية وحولتنا لكائنات ممسوخة لا تهتم سوى بسعة الذاكرة وحجم البيكسل وسرعة الانترنت.. ستحطم بالتأكيد مستقبل البشرية وتحيل الواقع كله إلى المجهول.

bodalal@me.com

التعليقات ( 0 )