• ×

11:17 مساءً , الأربعاء 16 شوال 1440 / 19 يونيو 2019

ملخص تاريخ الدولة الجبرية من التأسيس حتى السقوط (تصديهم للصليبين والصفويين)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
دهام الرطبي ملخص تاريخ الدولة الجبرية
من التأسيس حتى السقوط
(تصديهم للصليبين والصفويين)

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد:

فمن فروع بني خالد الجبور والذين منهم السلاطين حكام الدولة الجبرية في شبه الجزيرة العربية
فقد حكم الجبور المنطقة الشرقية لشبه الجزيرة العربية وامتد نفوذهم إلى وسط نجد وجزيرة البحرين وعُمان وغيرها , وكانت لهم فيها الزعامة المطلقة , وكان تأسيس الدولة الجبرية على يد السلطان زامل بن حسين الجبري وذلك في منتص القرن السابع والثامن والتاسع والعاشر تقريبا[1] , وخلف زامل الجبري من الأولاد هلال وسيف وأجود , وقد لعب سيف دورا سياسيا كبيرا في حياة والده حتى عده بعض المؤرخين أنه مؤسس الدولة الجبرية [2], ثم آلت السلطة لسيف بن زامل بعد والده لفتره قصيرة ليخلفه بعد ذلك أخوه أجود بن زامل.
بلغت حاكمية الجبور أوجها وسطوتها بقيادة السلطان أجود بن زامل الجبري , وذلك قبل عام 874هـ[3] , الذي ذاع صيته وأشتهر بين السلاطين , بل إن مواهبه العسكرية والسياسية برزت أثناء سلطة والده مما جعلته يكسب إحترام الناس وينال إعجابهم وهذا ما أهله لإمارة الجبور وبدون منازع , وبعد أن اعتلا السلطة حقق الأمن على الطرق التي تسلكها قوافل الحج والتجارة ما بين ساحل الخليج العربي والحجاز عبر أراضي نجد , وذاع صيته ليتعدى حدود جزيرة العرب وقد لقب بألقاب كثيره من قبل معاصريه ونعتوه بنعوت التبجيل والاحترام ومن ذلك تلقيبه بـ"سلطان البحرين والقطيف والأحساء , ورئيس أهل نجد"[4] , وقد وصفه بعض السلاطين والكتاب بأوصاف تدل على تقواه وعقيدته السليمة وحمايته للناس عموما وللحجاج خصوصا ومن ذلك ما قاله السمهودي(ت 911) في وصفه:
" رئيس أهل نجد ورأسها , سلطان البحرين والقطيف , فريد الوصف والنعت صلاحا وأفضالا, وحسن العقيدة أبو الجود أجود بن زامل بن جبر أيده الله وسدده"[5].
وقال السخاوي(ت902) عن أجود:
"كان رئيس نجد ذا أتباع يزيدون على الوصف , مع فروسية وقد تعددت في بدنه جراحات كثيرة ..وأقام الجمعة والجماعات , وأكثر من الحج في اتباع كثيرين , يبلغون الآلاف , مصاحبا للتصدق والبذل"[6].

ووما يدل على سطوة السلطان أجود بن زامل وقوته ونفوذه وأن صيته قد ذاع خارج الجزيرة ليصل إلى الهند ؛ الرسالة الموجة له من قبل خواجه جيهان –محمود أحمد القاواني- ملك التجار والوزير الأول لسلطان البهمنيين في الهند همايون شاه بن أحمد بن شاه , بطلب مد جسور التواصل والصداقة بين السلطتين , وكان محمود القاواني هو من يوجه دفة السياستين الداخلية والخارجية في السلطنة البهمنية[7], وما جاء في نص الرسال:
"من قول المخدوم الشهيد الأكبر إلى الشيخ أجود المعروف بابن جبر"
"بعد حمدالله والصلاة على نبيه , فشرايف التسليمات الطيبات , ونفاس التحيات الزاكيات , على الملك الأعظم الأكرم الأمير الأفخم الأقدم , مالك البر واليمْ , حامي العرب والعجم , مبارز معارك الشجعان ....أعدل ملوك الأطراف والأقطار ..مفتخر حجاج بيت الله الحرام."أهـ.

وأيضا ما تركه لنا التاريخ من استنجاد سلفور شاه حاكم مملكة هرموز بالسلطان أجود بن زامل كي يعينه على طرد أخيه شاه ويس من المُلك , وقد تم إنجاده بعد أن أملاء عليه السلطان أجود شروطه مما جعل إمارته تمتد وتتوسع ويستتب الحكم له في الأحساء والبحرين والقطيف ووسط نجد وعُمان الداخل.
وأيضا استنجد إمام الإباضية عمر بن الخطاب الخروصي بالسلطان أجود بن زامل ليستعيد ملكه من النبهانيين الذين تربطهم صلة عائلية قوية بملك هرموز, وذلك أن السلطان أجود في ذلك الوقت أقوى زعيم في الجزيرة العربية.

ووما ينبغي معرفته ان السلطان أجود بن زامل لم تقتصر جهوده فقط على توسيع الإمارة وتثبيت دعائمها وتحقيق الأمن والاستقرار , بل سعى إلى تنظيم الإدارة وتحقيق العدالة بتنصيب قضاة مشهود لهم بالمعرفة والاستقامة , كما انه قد سعى لترويج التعليم بإغراء عدد من العلماء البارزين للعمل في بلاده , وكان يستغل فرصة قيامه بالحج ويلتقي ببعض العلماء هناك ويأتي بهم معه , وكان عددا منهم من علماء المغرب العربي , ولما كانت الدولة الجبرية تتبع المذهب المالكي فقد سعى في نشره في بلاد البحرين.
وكان السلطان أجود من المهتمين بفريضة الحج وكان يسعى لفرض الأمن بين الحجيج وكان يُؤدب القبائل العادية على الحجاج , فقد ذكر المؤرخ العصامي: أن السلطان أجود أدى فريضة الحج أحد الأعوام, في جمع يزيدون على الثلاثين ألفا.

أولاد السلطان أجود بن زامل المعروفين أربعه وهم:
سيف , ومحمد , وعلي , وزامل.

وأول من تقلد السلطة بعد السلطان أجود هو ابنه محمد بن أجود , وقد ذكر المؤرخون أن السلطان محمد بن أجود قدم إلى مكة بعد انقضاء موسم الحج في حدود عام 912هـ على رأس جيش قوامه خمسين ألف رجل , وذلك بطلب شريف مكة بركات ؛ كي يؤدب بعض القبائل البدوية المتجاوزة وكي يساعد في حفظ الأمن والنظام في مكة.

ثم لمع برق السلطان مقرن بن زامل بن أجود حفيد السلطان أجود بن زامل وتولى الحكم الجبري في العقد الثاني من القرن العاشر تقريبا, وقوية الدولة الجبرية آن ذاك واستطاع أن يحافظ على وحدة البلاد وهيبة الجبور وقد نجح في إخضاء قبائل كبيرة كانت قد تمردت على سلطانه كبني لام ويزيد ومزيد وغيرهم.
وقد أحبط السلطان مقرن هجوم الهرمزيين على البحرين بقيادة خوجة عطار عام 917هـ وكان نجاحه في صدهم من أسباب انتشار شهرته وذياع صيته , حتى وصفه ابناياس بأنه وحد عربان بني جبر فتملك جزيرة مابين النهرين إلى بلاد هرموز ووحد عربان الشرق على الإطلاق.
والسلطان مقرن من الذي صدوا هجوم الصليبيين البرتغاليين على الجزيرة عام 927هـ , وأحبط محاولة أقتحامهم للجزيرة.

وتذكر المصادر البرتغالية:
بان السلطان مقرن كان قد بدأ ببناء اسطول يتكون من سفن كبيرة واستعان من أجل ذلك بعمال مهرة من الترك والفرس والعرب , وجند مقاتلين يحسنون الرمي بالسهام والبنادق, كما أنه قد أعاد تقوية تحصينات وأسوار كل من البحرين والقطيف , وزودها بالمدافع والمقاتلين , ووضع على راس كل قوة احد القواد المدربين.
وتشير المصادر البرتغالية أيضا إلى أن قوات مقرن أصبحت أكثر من 11الف مقاتل مزودين بمختلف الأسلحة , إضافة الى 300 فارس , و400 رامي سهم من الفرس , و 20 تركي من حملة البنادق.

وقد كانت الدولة الجبرية من الدول القوية والتي دوخت البرتغاليين الصليبيين بل إنهم أول من تصدى لهم , حتى أنهم أرسلوا بقواتهم لنجدة ميناء مسقط الذي كان يحاصره الاسطول البرتغالي , حتى يذكر الأمير البرتغالي "إلبر كرك" بأنه عندما وصل بأسطوله أمام صحار عام 1507م , كانت وصلت إلى المدينة حملات تتألف من 700 رجل يقودهم "ابن جبر".
وقد كتب البرتغاليون عن حكام الدولة الجبرية في تقاريرهم بنوع من الإحترام الممزوج بالرهبة والخوف , وحين اطلع "مايلز" على بعض ما كتبه البرتغاليون علق على ذلك بقوله:
"إنه يبدوا حقا بأن بني جبر مرعبين إلى حد كبير وأن أمرهم قد بقي لغزا لم يحل[8]".
وخاضت الدولة الجبرية المعارك ضد مملكة هرموز وضد الصفويين.

ثم ضعف نفوذ الحكم الجبري واستمر بالتقهقر بعد استشهاد السلطان مقرن بن زامل سنة 927 هـ على يد البرتغاليين[9] بمعونة الهرمزيون , بعد قيامهم بهجوم كاسح وكبير على البحرين والقطيف , تصدى له السلطان مقرن , قاد المعركة بنفسه بقوة وبسالة, أصيب في المعركة برجله بسلاح ناري نقل على إثره إلى أحد المساجد وتوفي بعدها بستة أيام متأثرا بجراحه , ونقل جثمانه إلى الأحساء لدفنه , وتذكر المصادر البرتغالية بأن الوزير "ريس شرف الدين" قائد القوات الهرمزية قد أمر قواته بضرورة انتزاع جثة السلطان مقرن من أيدي القوات المنسحبة , فتم له ما أراد وقام بقطع رأس السلطان وحمله معه إلى هرموز, كل ذلك انتقاما من السلطان مقرن بعد أن دوخهم وألحق بهم الخسائل الفادحة.
وقد تأثر الناس كثيرا بمقتله وعمّ الحزن عليهم حتى قال المؤرخ ابن إياس عن استشهاد السلطان مقرن:
"ذلك كان من أشد الحوادث في الإسلام واعظمها".

وثار الناس بعد ذلك على القائد الهرمزي "طوران شاه" بقيادة زعيم الجبور حسين بن سعيد , للثأر من مقتل السلطان مقرن , فهرب طوران شاه إلى جزيرة قشم فأرسل الزعيم حسين أحد أتباعه في إثره وتمكن من قتله.

ومن القصائد التي رثي بها السلطان مقرن بعد مقتله , والتي نسبه فيها الشاعر لبني مخزوم القرشية – قبيلة خالد بن الوليد المخزومي- حيث قال:
الأمن أين حياة الأمن تشهدها *** "مخزوم" من بعده فالأمن مضطرب
صفات "مقرن" تنبي عن مكانتها *** الجود والحلم والإقدام والحسب

وبعد مقتل السلطان مقرن دب الصراع بين زعماء الجبور وبدأت دولتهم بالضعف والتشرذم حتى أنتهى حكمهم , وقد ذكر خلاصة ما حصل بينهم المؤرخ الجزيري,
فذكر أن السلطة قد انتقلت بعد مقرن الى عمه علي بن أجود الذي لم يستطع الاحتفاظ بها أكثر من شهر, فاعقبه ابن أخيه ناصر بن محمد بن أجود الذي بقي في السلطة مدة ثلاث سنوات, تميزت كما يبدو بالضعف والفوضى فأدرك عجزه وإفلاسه مما دفعه إلى أن يتنازل عن هذه الإمارة لقطن بن علي بن هلال بن زامل مقابل مبلغ من المال . وبتولي قطن بن علي بن هلال لإمارة الجبور تكون السلطة قد خرجت من بيت السلطان أجود بن زامل لتنتقل إلى بيت أخيه هلال بن زامل , الذي كان نفوذهم يتركز في عُمان الشمالي , ويطلق عليهم المؤرخون العمانيون في بعض الأحيان اسم بني هلال, وتغلب عليهم البداوة.
ولقطن بن هلا هذا ثلاثة أولاد هم قطن وناصر وعلي , فقد توفي قطن واستلم الإمارة بعده أحد أولاده إلا أنه لم يستطع أن يحتفظ بالسلطة إلا لفترة قصيرة جدا لم تتجاوز الشهر أو الشهرين ثم اضطر الى التنازل عنها لعمه غصيب (قضيب) بن زامل بن هلال بن زامل.
ثم بعد ذلك تدخل الشيخ راشد بن مغامس زعيم المنتفق في شؤون أمراء الجبور بطلب منهم كحليف ليضبط الأمن والنظام , فاستغل فرصة الشقاق بينهم وضعف حالهم , فانتزع منهم إمارة الأحساء والقطيف في حدود عام 931هـ , وبذلك تكون نهاية الحكم الجبري كسلطة سياسية في تلك البلاد وحلت محلها إمارة آل فضل ثم جاؤا أمراء آل حميد كما سنذكر ذلك عند الكلام على فرع آل حميد من بني خالد واستعادوا السلطة والحكم لصالح قبيلة بني خالد[10].

-----------
[1] انظر: الجاسر ,جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد , ج1 ص 191.
[2] انظر: : الحميدان , التاريخ السياسي لأمارة الجبور ص19.
[3] انظر: مكانة السلطان أجود بن زامل الجبري في شبه الجزيرة العربية.
منشور في الدارة, عـ 14, س 1982.
[4] انظر: الحميدان , التاريخ السياسي لأمارة الجبور , ص47 – 61.
وعمر بن فهد , اتحاف الورى بأخبار أم القرى.
والسمهودي , وفاء الوفاء , ج3 ص1093.
[5] وفاء الوفاء , ج3 ص1093.
[6] الضوء اللامع ج1 ص190.
[7] انظر: الحميدي , مكانة السلطان أجود بن زامل الجبري في شبه الجزيرة العربية. منشور في الدارة, عـ 14, س 1982.
[8] انظر: الحميدي , , التاريخ السياسي لأمارة الجبور ,ص 1.
[9] انظر: بنو خالد وعلاقتهم بنجد , الوهيبي , ص76.
[10] انظركل ما ذكر وتقدم و للاستزاده في تاريخ الدولة الجبرية:
الدولة الجبرية في الأحساء , مجلة العرب , العدد 7 , السنه الأولى.
التاريخ السياسي لإمارة الجبور في نجد و شرق شبه الجزيرة العربية , منشور في كلية الآداب جامعة البصرة, عـ 16, س 1980.
ونفوذ الجبور في شرق شبه الجزيرة العربية , مجلة كلية الآداب البصرة 1981.
و الصراع على السلطة في دولة الجبور بين المفاهيم القبلية و المُلك دراسة تاريخية جامعة الملك سعود ١٤١٥هـ


كتبه/ المحقق سلمان بن عبدالله العويضة
عضو هيئة الرقابة والتحقيق

بواسطة : admin
 0  0  1.9K
التعليقات ( 0 )