• ×

07:15 مساءً , الأربعاء 24 صفر 1441 / 23 أكتوبر 2019

admin

جلد الذات..والتجني على التاريخ

admin

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
فهد الخالدي
الأمم كالأفراد تكبر وتشيخ.. تبلغ عنفوان الشباب حينًا وتبلغ أرذل العمر حينًا آخر، أو هي كالأشجار تكبر وتثمر ويعظم ظلها وتذبل وتموت لكن الأشجار العظيمة ذات الجذور الراسخة في أعماق الأرض تعود لتنمو من جديد في حين تموت الشتلات الضعيفة التي لا تتجاوز جذورها سطح الأرض إلى غير رجعة. والأمة العربية التي هي جوهر الإسلام ومعدنه ونزلت في أرضها رسالته حالها حال الأمم الأخرى ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من الأمم، وهي اليوم في حال لا تحسد عليه يسر العدو ويحزن الصديق، ولكن هذه الحال ليست هي المرة الأولى التي تمر فيها بمثل هذا الضعف والاختلاف والتفرق والهوان وتكالب الأعداء وتفرق الأصدقاء فطالما مّرت بمثل هذه الحال مرات عديدة ثم عادت لترفع رأسها من جديد لأن جذورها ممتدة في أعماق التاريخ تتغذى من الرسالة التي تحملها أولًا ومن شيم الأصالة وقيمها التي طالما تميزت بها عن غيرها من الأمم، ويزيدها قوة وأصالة هذا الدين الذي اختار الله أرضها لتكون مهبط رسالته واختار لغتها لتكون لغة كتابه واختار منها آخر الأنبياء يحمل خاتم الرسالات وأتمها وأكملها. وهي تتعرض اليوم لكل أسباب الضعف والخوار بتفرق كلمتها وتشتت صفوفها وتنازع أبنائها واختلافهم مما أغرى بها أعداءها شرقًا وغربًا فاجتمعوا عليها حقدًا حينًا على تاريخها المجيد وحسدًا حينًا آخر على ثرواتها وخيراتها ومكانتها وثأرًا حينًا لهزائمهم على يد جيوشها أيام القوة والمجد، وترتفع أصوات الشعوبيين تارة بالسخرية والاستهزاء وتقليل شأن الأمة، وتتضح مخططات الأعداء التي تطل من خلال صورهم صور سايكس بيكو يحملون مخططاتهم الجديدة القديمة لتقسيم الأوطان وتوزيعها تركة على الناهبين والطامعين ولكن هذه المرة في حصص أصغر وأصغر وعلى أسس مذهبية وطائفية وعرقية حتى تصعب لحمتها وتستحيل وحدتها من جديد أو على الأقل يحتاج ذلك إلى سنوات طويلة طويلة يستطيع خلالها أعداؤها وفي مقدمتهم الكيان اليهودي الغاصب أن يتجذر في الأرض فيحسبه الواهمون والطارئون على التاريخ ابنًا لجغرافية المنطقة وتاريخها وينسون أنه لقيط لا يملك من مبررات الانتماء إلا ما يملكه الأبناء غير الشرعيين مهما حاولوا أن يخفوا ذلك، وساعدهم في التمويه والتزوير كل السماسرة وشهود الزور. وإذا كان هجوم الشعوبيين والأعداء متوقعًا فإن ما يحز في النفس ويتسبب في جراح غائرة في شغاف القلب هجوم أبناء الأمة عليها واحتقارهم لها وإنكارهم للصفحات الخالدات من تاريخها، بل والإساءة إلى القادة الذين كتبوا بدمائهم وشجاعتهم وإقدامهم تلك الصفحات على مدى التاريخ، ومجاراة البعض لأعدائها في إنكار مآثرها وانتصاراتها، وهم في الحقيقة ربما يكونون وهم كذلك على الأغلب من المحبين لأمتهم لكن مشاعر اليأس التي استبدت بهم دفعتهم إلى ما فعلوه من إساءة الظن والتعبير عن غضبهم بالإساءة إلى تاريخ أمتهم كتابًة حينًا وحديثًا على الملأ والأشهاد حينًا آخر؛ منهم كمن تصيبه الحمى فيهذي غير مدرك لما يصدر عنه من الأقوال والأفعال التي لا تصدر إلا عن كاره وحاقد وهو لو سمعها في حال صحته من غيره لأنكرها وتصدى لمن يقترفها.. ربما يسمي البعض ذلك جلد الذات كما يقولون لكنه في الحقيقة ليس جلدًا للذات فقط بل هو تهور بما ينجم عنه من نتائج وخيمة خاصًة إذا تناقله الأبناء والشباب وظنوا أنه قناعات راسخة عند من يصدر عنه أو أنه حقائق تاريخية تصبح مع الزمن في أذهانهم مسلمات يصعب أن يخرجوا من سوداويتها إلى بياض الحقيقة. نحن لا ندعو إلى غض النظر عن الأخطاء ولا نقد الذات نقدًا إيجابيًا يحدد الأخطاء للعمل من أجل تجاوزها وتصحيحها، ولكن الذي نرفضه هو هذه القسوة في الهجوم على الأمة تاريخًا وحضارة ورموزًا وتسفيه أمجادها وتراثها ودورها التاريخي الممتد مدى العصور، والذي يأتي من مخلصين محبين بغير قصد أو رغبة حقيقية في الإساءة ولكنه بدافع اليأس والغضب مما يحيط بنا من إحباطات، لكنه يأتي في أكثر الأحيان من أعداء الأمة الذين يحاولون النفاذ من أبواب اليأس لمآرب لا تخفى عن المخلصين من أبناء الأمة وقادتها.

التعليقات ( 0 )